السيد محمد حسين فضل الله
71
من وحي القرآن
جديد - أو ابتعدوا عنه ، عادوا إلى سيرتهم الأولى . وهذا ما أوضحه القرآن الكريم في قوله تعالى : بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ فهم لم يكتشفوا في ما شاهدوه شيئا جديدا ، بل كانوا يتوهمون الحقائق قبل ذلك ويخفونها لئلا تقوم عليهم الحجة أمام الآخرين ، فينكرونها من موقع القناعة بها ، وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ لأنهم لم ينحرفوا لشبهة عرضت لهم ، ولا لخطأ وقعوا فيه ، بل كان ذلك لاستسلامهم أمام شهواتهم وأطماعهم بما كان يدفعهم إلى الإنكار في مواقع الحقيقة وإلى التمرّد في مقتضيات الطاعة ، وإلى التسويف في مواقف التوبة ، ولذلك فإن الصدمة أمام أهوال النار سوف تتضاءل عندما ينفصلون عن الجو تدريجيا ، ويبتعدون عن تهاويله في الزمان والمكان ، فيرجعون إلى ما كانوا عليه ، لأن شخصيتهم لا تحتمل التأثر بالفكرة العميقة ، بل تتحرك تبعا لظروف الجو ومزاجية الرأي . وقد يكون هذا اللون من أوضاع الشخصية الإنسانية ، يمثل طبيعة الظاهرة في أكثر من مجتمع ، سواء في ذلك مجتمع الكافرين ، أم المجتمع الذي يتبنّى الإيمان كعقيدة . فقد نلجأ في حالات المرض والخوف إلى اللَّه ونتوب إليه مما أسلفنا من ذنوبنا ، ونعزم على تصحيح الموقف أملا في الشفاء من المرض والأمن من الخوف ، فإذا كشف اللَّه عنا ذلك كله ، نسينا كل ما التزمنا به للَّه من موقف أو عمل ، وعدنا إلى ما كنا فيه . . إن القضية التي تحكم هذه الظاهرة في الوجه السلبي أو الإيجابي منها هي أن هناك فرقا بين أن تكون خطوات الإنسان العملية منطلقة من قاعدة أساسية في طريقة التفكير والانتماء والعمل ، وبين أن تكون خاضعة للأجواء الطارئة التي يعيشها الإنسان . ففي الحالة الأولى ، نجد الثبات والصلابة والتركيز في الفكر والموقف بالرغم من كل ما يهز الفكر أو يثير الشعور ، حيث يزداد الموقف في هذا الحال قوّة في الأجواء الملائمة ، ويزداد توتّرا في